كان أول العهد بالطلب، وبداية الجلوس عند الشيوخ، بعد أن منَّ الله عليّ بحفظ القرآن -أن وجهني محفظي للتسجيل في مركز علمي بمسجد الإمام الشافعي...
هناك تعرفت عليه، شيخ ذو عبادة، وطالب علم لم أرَ مثله، لا يفوّت صيام نافلة، ولا يترك جنازة دون اتباعها، قوّام لا يفارق وجهه النور والتبسم، مع هموم كثيرة في عينيه...
جمع إلى تحفيظ الصغار وتدريس الكبار، همَّةً منقطعة النظير في حضور الدروس، والتحضير لها... مع تلاوة دائمة للقرآن، وملازمة شديدة للجامع، (ورجل قلبه معلق بالمساجد)...
له الفضل -بعد الله- عليّ، في كل حرف قرأته، وكتاب درسته، ومتن حفظته...
لزمت درسه وأنا ابن خمس عشرة عاما، فأفهمني شرح "أبي شجاع"، ثم أخذ بيدي إلى مجالس شيوخه، ودفع عني -ولم يكن موسرا- مواصلات كثيرة جدا، وقدَّمني على الأقران، وخصني بمزيد محبة واهتمام...
كنت أجلس بجانبه في دروس شيوخه الذين صاروا شيوخي، وأنظر إليه فأتعلم من سمته، ما لا أتعلمه من شرح (منهج الطلاب)!
وكان يصطحبني معه إلى كل الدروس، فلا أفهم إلا النزر اليسير منها، ثم أعود إلى بيتي بعد العِشاء بعشاءين، وأقول لأمي: كنت مع الشيخ، فترحمني و"تعشّيني" :)
أحفظ عنه، أنه لم يتغيب عن درسه قط، ولو كان مريضا عليلا مجهدا متعبا، دخل المسجد مرة بعد أذان الفجر، وقد كان موضعه من السطر الأول معروفا، لا لحجز، وإنما لتبكير..
فركع ركعة، ثم غلبه ما يجد من تعب في الثانية، فحملوه وعاوَنوه، ثم أفاق فلم يعدل عن درسه بل أقامه، والشباب تقول: قام كل الليل فأجهد نفسه!
شاب كثير الصمت، قليل الكلام، مقبل على شأنه، نافع لإخوانه، باذل وقته ومسخر له في خدمة أمه، والله ما كان يؤثر ببرها أحدا، وله إخوة، ووظيفته شاقة...
نزح في حربنا مع الكفرة، وتنقل من مكان إلى مكان، حتى لقد انتهى به المطاف، وآل به الأمر إلى أن حوصر، ثم أسر، فانقطعت الأخبار، وتلاشت الآثار...
أمسكت اليوم متني، وقلبت فيه الصفحات، تحضيرا لشيء، فهاجت الذكرى، وأتعبني التفكر، في ميزان حسناتك، أيها العابد المجاهد!
#أطلال
هناك تعرفت عليه، شيخ ذو عبادة، وطالب علم لم أرَ مثله، لا يفوّت صيام نافلة، ولا يترك جنازة دون اتباعها، قوّام لا يفارق وجهه النور والتبسم، مع هموم كثيرة في عينيه...
جمع إلى تحفيظ الصغار وتدريس الكبار، همَّةً منقطعة النظير في حضور الدروس، والتحضير لها... مع تلاوة دائمة للقرآن، وملازمة شديدة للجامع، (ورجل قلبه معلق بالمساجد)...
له الفضل -بعد الله- عليّ، في كل حرف قرأته، وكتاب درسته، ومتن حفظته...
لزمت درسه وأنا ابن خمس عشرة عاما، فأفهمني شرح "أبي شجاع"، ثم أخذ بيدي إلى مجالس شيوخه، ودفع عني -ولم يكن موسرا- مواصلات كثيرة جدا، وقدَّمني على الأقران، وخصني بمزيد محبة واهتمام...
كنت أجلس بجانبه في دروس شيوخه الذين صاروا شيوخي، وأنظر إليه فأتعلم من سمته، ما لا أتعلمه من شرح (منهج الطلاب)!
وكان يصطحبني معه إلى كل الدروس، فلا أفهم إلا النزر اليسير منها، ثم أعود إلى بيتي بعد العِشاء بعشاءين، وأقول لأمي: كنت مع الشيخ، فترحمني و"تعشّيني" :)
أحفظ عنه، أنه لم يتغيب عن درسه قط، ولو كان مريضا عليلا مجهدا متعبا، دخل المسجد مرة بعد أذان الفجر، وقد كان موضعه من السطر الأول معروفا، لا لحجز، وإنما لتبكير..
فركع ركعة، ثم غلبه ما يجد من تعب في الثانية، فحملوه وعاوَنوه، ثم أفاق فلم يعدل عن درسه بل أقامه، والشباب تقول: قام كل الليل فأجهد نفسه!
شاب كثير الصمت، قليل الكلام، مقبل على شأنه، نافع لإخوانه، باذل وقته ومسخر له في خدمة أمه، والله ما كان يؤثر ببرها أحدا، وله إخوة، ووظيفته شاقة...
نزح في حربنا مع الكفرة، وتنقل من مكان إلى مكان، حتى لقد انتهى به المطاف، وآل به الأمر إلى أن حوصر، ثم أسر، فانقطعت الأخبار، وتلاشت الآثار...
أمسكت اليوم متني، وقلبت فيه الصفحات، تحضيرا لشيء، فهاجت الذكرى، وأتعبني التفكر، في ميزان حسناتك، أيها العابد المجاهد!
#أطلال